الأمن من مكر الله
الحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آهل وصحبه أجمعين .
أما بعد:
فإن من قرأ القرآن وتدبر معانية وتأمل في سير الغابرين، ومصير المستكبرين، وسنة الله في المكذبين؛ خاف عقوبته، وحاذر معصيته، ولم يأمن مكره.. وأشد الخلق خوفاً من الله اتقاهم لله وأعلمهم بقدرته وقوته، وسرعة انتقامه، وشدة بطشه .
أما أهل الجهل والإعراض والاستكبار فإنهم لا يرجون لله وقاراً، ولا يخافون منه انتقاماً؛ حتى يبغتهم العذاب وهم في غيِّهم، وقد استكبرت عاد فقالت {مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} [فصِّلت:15] ورأوا بوادر العذاب ففرحوا به لجهلهم وقالوا {هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا} [الأحقاف:24] وقال كفار قريش {اللهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال:32] فأهلكهم الله تعالى .
فما أعظم الفرق بين من عرف الله تعالى فعظمه، وبين من جهل به فأعرض عنه!!
وأكثر الخلق معرفة بالله ملائكتُه الدائبون في عبادته، الدائمون على ذكره الذين وصفهم الله بأنهم{لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ} [الأنبياء:19-20] وأنهم{يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [النحل:50] وأنهم {مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء:28].
ومع أنهم معصومون من الخطأ، ولا يشغلهم عن عبادة الله شاغل فإنهم لا يأمنون مكره سبحانه؛ ولذلك أخبر الله عنهم بأنهم{وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا}[الإسراء:57]، وإذا قضى الله تعالى أمراً خافوا خوفاً شديداً، كما أخبر عنهم أعلم الناس بهم وبخوفهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فقال:«إذا قَضَى الله الْأَمْرَ في السَّمَاءِ ضَرَبَتْ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ على صَفْوَانٍ يَنْفُذُهُمْ ذلك فإذا {فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الحَقَّ وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ} [سبأ:23]»رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما:« إذا قَضَى الله أَمْرًا سَبَّحَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ ثُمَّ سَبَّحَ أَهْلُ السَّمَاءِ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ حتى يَبْلُغَ التَّسْبِيحُ أَهْلَ هذه السَّمَاءِ الدُّنْيَا»رواه مسلم . هؤلاء الملائكة الكرام يخافون ربهم وكذلك الرسل عليهم الصلاة والسلام وهم أعلم الخلق بالله يخافون ربهم خوفاً شديداً ؛ ولذلك حذَّروا أقوامهم من معصيته، قال نوح عليه السلام لقومه {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأعراف:59] وهود عليه السلام قال لقومه{أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأحقاف:21] وقال شعيب عليه السلام لقومه {إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ} [هود:84] والخليل عليه السلام حذر أباه من المعصية خوفاً عليه من العذاب فقال {يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا} [مريم:45] ومؤمن آل فرعون حذرهم من عذاب الله فقال{وَقَالَ الَّذِي آَمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ} [غافر:31]. وقال صلى الله عليه وسلم لأهل مكة لما كذبوه {وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ} [هود:3]. وأخبرهم أنه صلى الله عليه وسلم لا يدري ما يفعل الله به ولا بهم في الدنيا، فقال لهم {مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ} [الأحقاف:9]. وكان صلى الله عليه وسلم إذا قرأ في الآيات التي تتحدث عن عاقبة المكذبين وما حلَّ بهم من العذاب، يتأثر ويبكي خوفاً على أمته أن يحل بها ما حلَّ بمن قبلها من الأمم ، ويروى أنه صلى الله عليه وسلم قال:« شَيَّبَتْنِي هُودٌ » قال المناوي رحمه الله تعالى:« لما فيها من ذكر الأمم وما حل بهم من عاجل بأس الله». وكان صلى الله عليه وسلم يشتد خوفه إذا هبت الرياح، أو كسفت الشمس، قالت عَائِشَةُ رضي الله عنها:«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان يَوْمُ الرِّيحِ وَالْغَيْمِ عُرِفَ ذلك في وَجْهِهِ وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ فإذا مَطَرَتْ سُرَّ بِهِ وَذَهَبَ عنه ذلك قالت عَائِشَةُ: فَسَأَلْتُهُ، فقال: إني خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ عَذَابًا سُلِّطَ على أُمَّتِي»رواه مسلم.
وكان صلى الله عليه وسلم يتعوذ بالله تعالى من العذاب؛ قال ابن عُمَرَ رضي الله عنهما: كان من دُعَاءِ رسول الله صلى الله عليه وسلم:«اللهم إني أَعُوذُ بِكَ من زَوَالِ نِعْمَتِكَ وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ وَجَمِيعِ سَخَطِكَ»رواه مسلم وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم: « اللهم أَعُوذُ بِرِضَاكَ من سَخَطِكَ وَبِمُعَافَاتِكَ من عُقُوبَتِكَ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أنت كما أَثْنَيْتَ على نَفْسِكَ»رواه مسلم. فحري بأهل الإيمان أن يعظموا الله تعالى ويتقوه، ويرجوا رحمته، ويخافوا عذابه، ولا يأمنوا مكره {فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلَّا القَوْمُ الخَاسِرُونَ} [الأعراف:99].
أيها الإخوة الكرام : لقد قست قلوب الكثيرين من المسلمين وضعفت هممهم وقلت خشيتهم من الله وتجرأ الكثير من المسلمين على المعاصي وأعلن أهل الفساد بفسادهم ، وضعف صوت المنكرين ، وانغمس كثير من الناس في اللهو والترف، وانتشرت فيهم ذنوب الأسماع والأبصار، وأكل الحقوق وتضييع الواجبات، وبلغ من جرأة أهل المنكرات أنهم يحاربون المواعظ والتذكير بالآيات؛ لئلا ينزعج الناس بالموعظة والتذكير، فيخافوا العذاب؛ لأنهم يريدون من الناس أن يحاربوا الله تعالى بمعصيته وهم في أمن من عذابه، وهذا ما يخشاه أهل الإيمان والإصلاح؛ لأن الأمم السابقة ما عُذبت إلا بعد أن أعرضت عن المواعظ، وقارفت المعاصي . فلنحذر ونتعظ بما حلَّ بالأمم قبلنا، ولنعتبر بما نزل بمن حولنا، ولننظر فيما يحيط بنا؛ فإن المخاطر تزداد يوماً بعد يوم، وكثير منا في غفلتهم ، ونعوذ بالله تعالى من الغفلة فإنها داء القلوب ، ولقد أخذ الله الأمم السابقة بذوبهم وأحل بهم العذاب وهم غافلون قال تعالى:{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ}[الأنعام:45] وآخرون استعجلوا العذاب فجاءهم بغتة وهم عافلون قال تعالى:{وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ العَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}[العنكبوت:53] فاحذروا أيها المسلمون أن تسلكوا مسلكهم؛ فالسعيد من وعظ بغيره.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وصحبه أجمعين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أصله خطبة ألقيتها في جامع وادي جليل
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق